محمود سالم محمد
378
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وربما عاد الإخلال اليسير بفصاحة اللغة عند بعض الشعراء إلى تقصيرهم في امتلاك اللغة امتلاكا قويا ، وهذا لا يعود إلى عجز الشاعر عن تمثل اللغة ، وإنما إلى الازدواج اللغوي الذي يعاني منه في حياته ، فالناس من حوله لا يتحدثون باللغة العربية الفصحى ، وهو يتعامل معهم بلهجتهم العامية ، ولا يتحدث باللغة الفصحى إلا في مجالس محدودة أو إلى نفسه عندما يريد أن يعبر عما فيها شعرا ، وهذا يقلل من تمكن اللغة من نفسه ، ويضعف من قدرته على تصريفها في أغراضه ، والتعبير بها عن مراميه ، ويوقعه في الركاكة والخطأ ، وربما قصد إلى ذلك ليمتّن الصلة بينه وبين الناس ، فيحاول أن يقترب في تعبيره من أفهامهم ، واللغة التي اعتادوا عليها . وإذا لم تكن اللغة التي ينظم بها الشاعر شعره لغة حياة ، فإن ارتباطها بمشاعره وخياله يكون ضعيفا ، فلا يأتي شعره كما يريد ، ويصبح عاجزا عن أداء أفكاره ومشاعره أداء كاملا دقيقا ، ويخرج أسلوبه مرتبكا ، فيه آثار العامية التي تتعايش في نفسه مع الفصحى . ولذلك عاد الشعراء إلى الشعر العربي القديم ، يحاكونه ويعارضون قصائده ، ويضمّنون أبياته ، ويستعينون به في التعبير عن أغراضهم ، فجاءت بعض قصائدهم خليطا غريبا من الشعر القديم ومن صنعة عصرهم ، فهم يريدون إظهار معرفتهم بالتراث الشعري ، وبراعتهم في استخدامه ، ليعطيهم ذلك نوعا من الأصالة ، ويريدون إثبات مقدرتهم على اصطناع فنون البديع التي فتن بها أهل عصرهم . ويظهر هذا جليا في قول ابن نباتة ، الذي عبّر فيه عن رغبته في إنشاء قصائد المدح النبوي : فهل لي إلى أبيات طيبة مطلع * به مخلص لي من إسار شقائي أصوغ على الدّرّ اليتيم مدائحا * أعدّ بها من صاغة الشّعراء